أَقْوَالُ الأئمَّةِ اللَّتي ذَكَرَهَا أبُوالْفِدَاء ابْنُ كَثيرٍ في كِتَابِهِ تَفْسيرُ الْقُرْءَانِ الْعَظِيمِ عِنْدَ تَفْسِيرِهِ لقَوْلِهِ تَعَالَى : { لايَمَسُّهُ إلاَّ الْمُطَهَّرُونَ }
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثني إسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى , أخْبَرَنا شَرِيكٌ , عَنَْ حَكيمٍ –هُوَابْنُ جُبَيْرٍ- عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : {لايَمَسُّهُ إلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} قَالَ : الْكِتَابُ اللَّذي في السَّمَاءِ . وَقَالَ الْعَوْفيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : {لايَمَسُّهُ إلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} يَعْني : الْمَلائِكَة . وَكَذَا قَالَ أنَسٌ , وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ , وسَعيدُ بْنُ جُبَيْرٍ , والضَّحَّاكُ , وَأبوالشَّعْثاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ , وأبونَهِيكٍ , والسُّدِّيُّ , وعَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ
وَغَيْرُهُمْ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثنَا ابْنُ عَبْدِ الأَعْلَى حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ حَدَّثَنَا مّعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ :[لايَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ] قَالَ : لايَمَسُّهُ عِنْدَ اللهِ إلاَّ المُطَهَّرُونَ , فَأَمَّا في الدُّنْيَا فَإنَّهُ يَمَسُّهُ الْمَجُوسِيُّ النَّجِسُ والْمُنَافِقُ الرِّجْسُ , وَقَالَ أبُو الْعَالِيَةِ : [لايَمَسُّهُ إلاَّ الْمُطَهِّرُونَ] لَيْسَ أَنْتُمْ أَصْحَابَ الذُّنُوبِ , وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : زَعَمَتْ قُرَيْشٌ أنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ تَنَزَّلْتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ , فَأَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى أنَّه لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : [ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ] الشُّعَرَاءُ . اِنْتَهَى مِنْ كَلامِ ابْنِ كَثيرٍ .
قُلْتُ : بِهَذا يَتَبيَّنُ لِكُلِّ ذِي عَيْنَيْنِ وَلِكُلِّ مَنْ عِنْدَهُ أدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ عِلْمٍ أنَّ الأَحَادِيثَ اللَّتي اسْتَدَلَّ بِهَا الْقَوْمُ عَلَى تَحْرِيمِ قِرَاءَةِ الْقُرْءانِ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ ضَعِيفَةُ وَاهيَةُ لايَصِحُّ الْعمَلُ وَلاالاِسْتِدْلالُ بِهَا , وَدُونَ ذلِكَ خَرْطُ الْقَتَادِ وَصُعُودُ السَّمَاءِ .
وَقَدْ تَقَرَّرَ وَتَبَيَّنَ مِنْ خِلالِ أَقْوَالِ الأئِمَّةِ وَفَهْمِهِمْ لِمَعْنَى الآيَاتِ أنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : [ إنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ * في كِتَابٍ مَكْنونٍ * لا يَمَسُّهُ إلاالْمُطَهَّرُونَ]
هُمُ الْمَلائِكَةُ , وَالضَّميرُ في قَوْلِهِ تَعَالَى : لايَمَسُّهُ , يَعُودُ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ , وَهُوَ الْكِتَابُ الْمَكْنُونُ , أَيْ : اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ اللَّذي في السَّمَاءِ , وَهُوَ في قَوْلِهِ تَعَالَى :
[ بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ * في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ] الْبُرُوجُ . وَبِهَذَا حَدَّثَنَا شَيْخُنَا الإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُومُصْعَبٍ مُحَمَّدٌّ سَعيدٌ البَادِنْجُكِيُّ حَفِظَهُ اللهُ وَأَدَامَ نَفْعَهُ , وَقَدْ نَبَّهَ حَفِظَهُ اللهُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الآيَاتِ الْكَرِيمَةَ سِيقَتْ في بَيَانِ أنَّ الْقُرْءَانَ مَحْفُوظٌ في اللَّوْحِ الْمَكْنُونِ منَ التَّبْديلِ وَالتَّحْريفِ لا تَصِلُ إلَيْهِ أَيْدي الشَّيَاطينِ وَمَرَدَةِ الْجِنِّ اللَّذينَ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ بِتَحْريفٍ أَوْتَبْديلٍ , وَأنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ مَحْفوظٌ في السَّمَاءِ وَمَحْفوظٌ في الأَرْضِ .
وَبِهَذا بَطَلَ اسْتِدْلالُهُمْ بِهَذِهِ الآيَاتِ , وَالآحَادِيثِ الضَّعِيفَاتِ , وِتَبَيَّنَ أنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ قِرَاءَةُ الْقُرْءَانِ وَحَمْلُهُ لِعَدَمِ توفُّرِ دَلِيلٍ صَحِيحٍ صَرِيحٍ يُفيدُ بِالْمَنْعِ , فَكَمَا أنَّهُ لايَجُوزُ لَنَا أنْ نَشْرَعَ مِنَ الْعِبَادَاتِ شَيْئاً إلاَّ بِدَليلٍ , كَذلِكَ لايَجُوزُ لَنَا إبْطَالُ شَيْءٍ مِنْهَا إلاَّ بِدَليلٍ , ولايَجُوزُ حَلُّ مَا أُبْرِمَ عَقْدُهُ بالدَّليلِ إلاَّ بِدَلِيلِ , وَلادَخْلَ للأَهْوَاءِ وَلا لِلْمَذاهِبِ وَلا لأَقْوَالِ الرِّجَالِ في ذَلِكَ ألْبَتَّةَ , وإنَّمَا الْمُعْتَمَدُ هُوَ قَوْلُ اللهِ وَقَوْلُ رَسُولِهِ الْمَعْصُومِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وءَالِهِ وَسَلَّمَ اللَّذي لا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى , إذْ مَا مِنَّا إلاَّ رَدَّ وَرُدَّ عَلَيْهِ إلاَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ , بِأَبي وَأُمِّي وَنَفْسي وَوَلَدِي هُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَءَالِهِ وَسَلَّمَ , فَاسْتَعِذْ بِاللهِ , إنَّهُ هوَالسَّميعُ الْعَليمُ , وَدَعْ عَنْكَ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكَ عَنْ سَبيلِ الْهُدَى , وَالْزَمْ جَادَّةَ الْحَقِّ تَنْجُو مَعَ النَّاجِينَ , وَإنَّ جَادَّةَ الْحَقِّ في هَذاهيَ اتِّبَاعُ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَءَالِهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ , وَفِيمَا جَرَى عَلَيْهِ سَلَفُ هذِهِ الأُمَّةِ في الْقُرُونِ اللَّتي أخْبَرَ عَنْهَا نَبيُّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَءَالِهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهَا خَيْرُ الْقُرُونِ . وَباللهِ التَّوْفيقُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .