ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللهُ : وَأمَّا مَسُّ الْمُصْحَفِ فَإنَّ الآثَارَ اللَّتي احْتَجَّ بِهَا مَنْ لَمْ يُجِزْ لْلجُنُبِ مَسَّهُ فإنَّهُ لا يَصِحُّ مِنْهَا شَيءٌ , لأنَّهَا إمَّا مُرْسَلَةٌ وَإمَّا صَحيفَةٌ لا تُسْنَدُ –[ يُشيرُ إلَى حَديثِ مَالِكٍ في الْمُوَطَّأ : {عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ أبي بَكْرِبْنِ حَزْمٍ : إنَّ في الْكِتَابِ اللَّذي كَتَبَهُ رَسُولُ اللهِ لِعَمْروِبْنِ حَزْمٍ : أَنْ لا يَمَسَّ الْقُرْءَانَ إلاَّ طَاهِرٌ} وَهذا مُرْسَلٌ وَهُوَ قِطْعَةٌ مِنْ كِتَابٍ كَتَبَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أقْيالِ الْيَمَنِ أيْ : مُلُوكُ الْيَمَنِ , وَبَعَثَ بِهِ عَمْروَ بْنَ حَزْمٍ وَبَقيَ بَعْدهُ عِندَ آلِهِ]- وَإمَّا عَنْ مَجْهولٍ وَإمَّا عَنْ ضَعيفٍ وَقَدْ تَقَصَّيْنَاهَا في غَيْرِ هَذا الْمَكَانِ . وَإنَّما الصَّحيحُ مَا حَدَّثنَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَبيعٍ قَالَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُفَرِّجٍ نَا سَعيدُ بْنُ السَّكَنِ ثَنَا الْفِرَبْريُّ ثَنَا الْبُخَارِيُّ ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ثَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَني عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أنَّ أبَاسُفْيَانَ أَخْبَرَهُ أنَّهُ كَانَ عِنْدَ هِرَقْلَ , فَدَعَا هِرَقْلُ بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّذي بَعَثَ إلَيْهِ دِحْيَةَ إِلَى عَظيمِ بُصْرَى فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فإذَا فيهِ : {بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِاللهِ وَرَسُولِهِ إلى هِرَقْلَ عَظيمِ الرُّومِ : سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أمَّابَعْدُ : فإنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايةِ الإسْلامِ , أسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ , فَإِنْ تَوَّلَّيْتَ فإنَّ عَلَيْكَ إثْمَ الأَرِيسيِّينَ - أيْ: الْفَلاَّحِينَ أهْلُ مَمْلَكَتِهِ – وَ{يَاأهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لا نَعْبُدَ إلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئَاً وَلا يَتَّخذَ بَعْضُنا بَعْضَاً أرْبَابَاً مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنَّا مُسْلِمُونَ .} فَهَذا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بَعَثَ كِتَاباً وَفيهِ هذِهِ الآيَةُ إلَى النَّصَارَى وَقَدْ أيْقَنَ أنَّهُمْ يَمَسُّونَ ذَلِكَ الْكِتَابَ , فَإِنْ ذَكَرُوا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَبيعٍ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيدٍ ثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : {كَانَ يَنْهَى النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْءَانِ إلَى أَرْضِ الْعَدوّ , يَخَافُ أنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ} فَهَذَا حَقٌّ يَلْزَمُ اتِّباعُهُ وَلَيْسَ فيهِ أَنْ لا يَمَسَّ الْمُصْحَفَ جُنُبٌ وَلا كَافرٌ , وَإنَّمَا فيهِ أنْ لا يَنَالَ أَهْلُ أَرْضِ الْحَرْبِ الْقُرْءَانَ فَقَطْ , فَإنْ قَالُوا : إنَّمَا بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى هِرَقْلَ آيَةً وَاحِدَةً , قِيلَ لَهُمْ : وَلَمْ يَمْنَعْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِهَا وَأَنْتُمْ أَهْلُ قِيَاسٍ فِإنْ لَمْ تَقِيسُوا عَلَى الآيَةِ مَا هُوَ أَكْثرُ مِنْهَا فَلا تَقِيسُوا عَلَى هَذِهِ الآيةَِ غَيْرَهَا , فِإنْ ذَكَرُوا قَوْلَ اللهِ تَعَالَى :
{في كِتَابٍ مَكْنُونٍ لايَمَسُّهُ إلاَّ المُطَهَّرُونَ} فَهَذَا لا حُجَّةَ لَهُمْ فيهِ لأنَّهُ لَيْسَ أمْرَاً وَإنَّمَا هُوَخَبَرٌ , وَاللهُ تَعَالَى لا يَقُولُ إلاَّ حَقَّاً , وَلا يَجُوزُ أنْ يُصْرَفَ لَفْظُ الْخَبَرِ إلَى مَعْنَى الأمْرِ إلاَّ بنَصٍ جَلِيٍّ أَوْ إجْمَاعٍ مُتَيَقَّنٍ , فَلَمَّا رَأَيْنَا المُصْحَفَ يَمَسُّهُ الطَّاهِرُ وَغَيْرُ الطَّاهِرِ عَلِمْنَا أنَّهُ عزَّ وَجَلَّ لَمْ يَعْنِ الْمُصْحَفَ وَإنَّمَا عَنَى كِتَابَاً آخَرَ .
وَذَكَرَ بِإسْنَادِهِ عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ تَعَالَى [ لايَمَسُّهُ إلاَّ المُطَهَّرُونَ ] قَالَ : الْمَلائِكَةُ اللَّذينَ في السَّمَاءِ , وَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ النَّخَعيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ : أَتَيْنَا سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ فَخَرَجَ عَلَيْنَا مِنْ كَنِيفٍ لَهُ , - وَالْكَنيفُ : السَّاتِرُ يَكُونُ مِنْ خَشَبٍ أَوْ شَجَرٍ- فَقُلْنَا لَهُ : لَوْ تَوَضَّأْتَ يَا أبَا عَبْدِ اللهِ ثُمَّ قَرَأْتَ عَلَيْنَا سُورَةَ كَذَا , فَقَالَ سَلْمَانُ : إنَّمَا قَالَ اللهُ عزَّوَجَلَّ : [ في كِتَابٍ مَكْنوُنٍ لا يَمَسُّهُ إلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ] وَهُوَ الذِّكْرُ اللَّذي في السَّمَاءِ لاَ يَمَسُّهُ إلاَّ الْمَلائِكَةُ . وَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ إلى إِبْرَاهيمَ النَّخَعيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ : أنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ مُصْحَفَاً أمَرَ نَصْرَانِيَّاً فَنَسَخَهُ لَهُ . وَقَالَ أبُوحَنيفَةَ لابَأْسَ أَنْ يَحْمِلَ الْجُنُبُ الْمُصْحَفَ بِعِلاقَتِهِ وَلايَحْمِلُهُ بَغَيْرِ عِلاقِةٍ ,وَغَيْرُ الْمُتَوَضِّىءِ عِنْدَهُمْ كَذَلِكَ , وَقَالَ مَالِكٌ : لايَحْمِلُ الْجُنُبُ وَلا غَيْرُ الْمُتَوَضِّىءِ الْمُصْحَفَ لابِعِلاقَةٍ وَلا عَلَى وِسادَةٍ , فَإنْ كَانَ في خُرْجٍ أَوْ تَابُوتٍ فَلا بَأْسَ أنْ يَحْمِلَهُ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانيُّ وَالْجُنُبُ وَغَيْرُ الطَّاهِرِ , قالَ عَليٌ :- يَقْصِدُ نَفْسَهُ - هَذِهِ تَفَارِيقُ لا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهَا لا مِنْ قُرْءَانٍ وَلا مِنْ سُنَّةٍ لا صَحيحَةٍ وَلا سَقيمَةٍ وَلا مِنْ إِجْمَاعٍ وَلا مِنْ قِيَاسٍ وَلا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ , وَلَئِنْ كَانَ الْخُرْجُ حَاجِزاً بَيْنَ الْحَامِلِ وَبَيْنَ الْقُرْءَانِ فَإنَّ اللَّوْحَ وَظَهْرَ الْوَرَقَةِ حَاجِزٌ أَيْضَاً بَيْنَ الْمَاسِّ وَبَيْنَ الْقُرْءَانِ وَلا فَرْقَ وَبِاللهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . مَسْألَةٌ : وَكَذَلِكَ الأذَانُ وَالإقَامَةُ يُجْزِئَانِ أَيْضَاً بِلا طَهَارَةٍ وَفي حَالِ الْجَنَابَةِ , وَهَذا قَوْلُ أَبي حَنيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَقَوْلُ أبي سُلَيْمَانَ وَأصْحَابِنَا , وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُكْرَهُ ذَلِكَ وَيُجْزِىءُ إنْ وَقََعَ , وَقَالَ عَطَاءٌ : لايُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ إلاَّ مُتَوَضِّئاً , وَقَالَ مَالِكٌ : يُؤَذِّنُ مَنْ لَيْسَ عَلَى وُضُوءٍ وَلا يُقيمُ إلاَّ مُتَوَضِّىءٌ . قَالَ عَلِيٌّ : هَذا فَرْقٌ لا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ لا مِنْ قُرْءَانٍ وَلا مِنْ سُنَّةٍ وَلا إِجْمَاعٍ وَلا قَوْلِ صَاحِبٍ وَلا قِيَاسٍ ...} إِنْتَهَى مُخْتَصَراً مِنْ كَلامِ ابْنِ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللهُ .
وَقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْميَّةَ في كِتَابِهِ الْفَتَاوَى : وَإنَّمَا تَنَازَعُوا في قِرَاءَةِ الْقُرْءَانِ , وَلَيْسَ في مَنْعِهَا أيْ : الْحَائِضُ , مِنْ الْقُرْءَانِ سُنَّةٌ أَصْلاً فإنَّ قَوْلَهُ : لاتَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلا الْجُنُبُ شَيْئَاً مِنَ الْقُرْءَانِ , حَديثٌ ضَعيفٌ بِاتَّفاقِ أهْلِ الْمَعْرِفَةِ بالْحَديثِ , رَوَاهُ إسْمَاعيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ مُوسَى بْْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأحَادِيثُهُ عَنْ أَهْلِ الْحِجَازِ يَغْلَطُ فيهَا كَثيرَاً , وَلَيْسَ لِهَذا أَصْلٌ عَنِ النَّبيِّ وَلا حُدِّثَ بِهِ عَنِ ابنِ عُمَرَ..., وَقَدْ كَانَ النِّسَاءُ يَحِضْنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ , فَلَوْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِنَّ كَالصَّلاةِ لَكَانَ هَذَا مِمَّا بّيَّنَهُ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأُمَّتِهِ وَتَعَلَّمَهُ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنينَ وَكَانَ ذلِكَ مِمَّا يَنقُلُونَهُ إلَى النَّاسِ , فَلَمَّا لَمْ يَنقُلْ أحَدٌ عَنِ النَّبيِّ في ذلِكَ نَهْيَاً لَمْ يَجُزْ أَنْ تُجْعَلَ حَرَامَاً , مَعَ الْعِلْمِ أنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْ ذلِكَ , وَإذَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ مّعَ كَثْرَةِ الْحَيْضِ في زَمَنِهِ عُلِمَ أنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ .اِنْتَهَى مِنْ كَلامِ شَيْخِ الإسْلامِ رَحِمَهُ اللهُ .
وَقَالَ الإمَامُ مَالِكٌ : أحْسَنُ مَا سَمِعْتُ في هذِهِ الآيَة [ لايَمَسُّهُ إلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ] أنَّهَا بِمَنْزِلَةِ هذِهِ الآيَاتِ اللَّتي في عَبَسَ وَتَوَلَّى , قَوْلُ اللهِ تَعَالَى : [ كَلاَّ إنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذّكَرَهُ * في صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ
