وَجَاءَ في كِتابِ المُحَلَّى بالآثارِ لابْنِ حَزْمٍ قَوْلُهُ : مَسْألةٌ – وَقِرَاءَةُ الْقُرْاءَنِ وَالسَّجودُ فيهِ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَذِكْرُ اللهِ كُلُّ ذلكَ جَائِزٌ بِوُضُوءٍ وَغَيْرِ وُضُوءٍ وَلِلْجُُنُبِ وَالْحَائِضِ , بُرْهانُ ذَلِكَ أنَّ قِرَاءةَ الْقُرْءَانِ وَالسُّجُودَ فِيهِ وَمَسَّ الْمُُصْحَفِ وَذِكْرَ اللهِ تَعَالَى أَفْعَالُ خَيْرٍ , مَنْدُوبٌ إلَيْهَا مَأْجُورٌ فَاعِلُهَا , فَمَنِ ادَّعَى الْمَنْعَ فيهَا في بَعْضِ الأحْوَالِ كُلِّفَ أَنْ يَأْتيَ بِالْبُرْهَانِ , فَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْءَانِ فَإِنَّ الْحَاضِرِينَ مِنَ الْمُخَالِفِينَ مُوَافِقُونَ لَنَا في هَذا لِمَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ,- يَقْصِدُ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ الْفُقَهَاءَ مُتَّفقُونَ مَعَهُ عَلَى أنَّه يَجُوزُ لِمَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْءَانَ – وَاخْتَلَفُوا في الَجُنُبِ وَالْحَائِضِ , فَقَالَتْ طائِفَةٌ : لا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلا الْجُنُبُ شَيْئَاً مِنَ الْقُرْءَانِ , وَهوَ قَوْْلٌ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا , وَعَنْ غَيْرِهِمَا رُوِيَ أَيْضَاً كَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَالنَّخَعِيِّ وَغيْرِهِمْ , وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : أمَّا الْحَائِضُ فَتَقْرَأُ مَا شَاءَتْ مِنَ الْقُرْءَانِ , وَأمَّا الْجُنُبُ فَيَقْرَأُ الآيَتَيْنِ وَنَحْوَهُمَا , وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ , وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لا يُتِمُّ الآيَةَ وَهوَ قَوْلُ أبي حَنيفَةَ , فَأمَّا مَنْ مَنَعَ الَجُنُبَ مِنْ قِرَاءَةِ شَيءٍ مِنَ الْقُرْءَانِ فَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ [ أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَحْجِزُهُ عَنِ الْقُرْءَانِ شَيءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةُ ] وَهَذا لا حُجَُّةَ لَهُمْ فيهِ , لأنَّه لَيْسَ فيهِ نَهْيٌ عَنْ أَنْ يَقْرَأَ الْجُنُبُ الْقُرْءَانَ , وَإنَّمَا هُوَ فِعْلٌ مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُلْزِمُ , وَلا بَيَّنَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ إنَّمَا يَمْتَنِعُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْءَانِ مِنْ أَجْلِ الْجَنَابَةِ , وَقَدْ يَتَّفِقُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَرْكُ الْقُرْءَانِ في تِلْكَ الْحَالِ لَيْسَ مِنْ أِجْلِ الْجَنَابَةِ , وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَصُمْ قَطُّ شَهْرَاً كَامِلاً غَيْرَرَمَضَانَ , وَلَمْ يَزِدْ قَطُّ في قِيامِهِ عَلَى ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً , وَلا أَكَلَ قَطُّ عَلَى خِوَانٍ أَيْ : طَاوِلَة , وَلا أَكَلَ مُتَّكِئَاً , أَفَيَحْرُمُ أنْ يُصَامَ شهرٌ كَامِلٌ غَيْرُ رَمَضَانَ أَوْ أنْ يَتَهَجَّدَ الْمَرْءُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً , أَوْ أَنْ يَأْكُلَ عَلَى خِوَانٍ , أَوْ أَنْ يَأْكُلَ مُتَّكِئَاً ؟ هَذَا لا يَقُولُونَهُ , وَمِثْلُ هَذَا كَثيرٌ جِدَّاً . وَقَدْ جَاءَتْ آثارٌ في نَهْيِ الْجُنُبِ وَمَنْ لَيْسَ عَلَى طُهْرٍ عَنْ أَن ْ يَقْرَأَ شَيْئَاً مِنَ الْقُرْءَانِ , وَلا يَصِحُّ مِنْهَا شَيءٌ , وَقَدْ بَيَّنَّا ضَعْفَ أَسَانيدِهَا في غَيْرِ مَوْضِعٍ , وَلَوْ صَحَّتْ لكَانَتْ حُجَّةً عَلَى مَنْ يُبيحُ لَهُ قِرَاءَةَ الآيَةِ التَّامَّةِ أَوْ بَعْضَ الآيَةِ , لأنَّهَا كُلَّهَا نَهْيٌ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْءَانِ لِلْجُنُبِ جُمْلَةً , وَأمَّا مَنْ قَالَ يَقْرَأُ الْجُنُبُ الآيَةَ أَوْ نَحْوَهَا , أَوْ قَالَ لا يُتِمُّ الآيَةَ , أَوْ أبَاحَ لِلْحَائِضِ وَمَنَعَ الْجُنُبَ فَأَقْوَالٌ فَاسِدَةٌ , لأنَّهَا دَعَاوَى لا يَعْضُدُهَا دَلِيلٌ لا مِنْ قُرْءَانٍ وَلا مِنْ سُنَّةٍ صَحيحَةٍ وَلا سَقيمَةٍ , وَلا مِنْ إجْمَاعٍ وَلا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ وَلا مِنْ قيَاسٍ وَلا مِنْ رَأْيٍ سَديدٍ , لأَنَّ بَعْضَ الآيَةِ والآيَةَ قُرْءَانٌ بِلا شَكٍّ , وَلا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يُبَاحَ لَهُ آيَةٌ أَوْ أَنْ يُبَاحَ لَهُ أُخْرَى , أَوْ بَيْنَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ آيَةٍ أَوْ يُمْنَعَ مِنْ أُخْرَى وَأَهْلُ هذِهِ الأَقْوَالِ يُشَنِّعُونَ مُخَالَفَةَ الصَّاحِبِ اللَّذي لا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ , وَهُمْ قَدْ خَالَفُوا هَهُنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَلِيَّ بْنَ أبي طَالِبٍ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ , وَلا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ , وَأَيْضَاً فَإنَّ مِنَ الآيَاتِ مَا هُوَ كَلِمَةٌ وَاحِدةٌ مِثْلُ : {وَالضُّحَى} وَ {مُدْهَامَّتَانِ} وَ {وَالْعَصْرِ} وَ {وَالْفَجْرِ} وَمِنْهَا كَلِمَاتٌ كَثيرَةٌ كَآيَةِ الدَّيْنِ فَإذْ لاشَكَّ في هَذَا فَإنَّ في إبَاحَتِهِمْ لَهُ قِرَاءَةَ آيَةِ الدَّيْنِ وَاللَّتي بَعْدَهَا أَوْ آيَةِ الْكُرْسِيِّ أَوْ بَعْضِهَا وَلا يُتِمُّها , وَمَنْعِهِمْ إيَّاهُ مِنْ قِرَاءَةِ {وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ والوَتْرِ} أَوْ مَنْعِهِمْ لَهُ مِنْ إتْمَامِ {مُدْهَامَّتَانِ} لَعَجَبَاً , وَكَذِلَكَ تَفْرِيقُهُمْ بَيْنَ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ بِأَنَّ أمْرَ الْحَائضِ يَطُولُ , فَهْوَ مُحَالٌ , لأنَّهُ إِنْ كَانَتْ قِرَاءَتُهَا لِلْقُرْءَانِ حَرَامَاً فَلا يُبيحُهُ لَهَا طُولُ أَمْرِهَا , وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَهَا حَلالاً فَلا مَعْنَى لِلاحْتِجَاجِ بِطُولِ أِمْرِهَا , حَدََّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعيدِ بْنِ نَبَات ٍ ثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ نَصْرٍ عَنْ قَاسِمِ بْنِ أَصْْبَغَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَضَّاحٍ عَنْ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ ثَنَا بْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزيدَ عَنْ رَبيعَةَ قَالَ : لا بَأْسَ أنْ يَقْرَأَ الْجُنُبُ القُرْءَانَ .
وَبِهِ إلى مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ ثَنَا يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ السَّمْتِيُّ ثَنَا إدْرِيسُ عَنْ حَمَّادٍ قَالَ : سَأَلْتُ سَعيدَ بْنَ الْمُسَيَِّبِ عَنِ الْجُنُبِ هَلْ يَقْرَأُ الْقُرْءَانَ ؟ فَقَالَ : وَكَيْفَ لا يَقْرَؤُهُ وَهُوَ في جَوْفِهِ !؟
وَبِهِ إلَى يُوسُفَ السَّمْتيِّ عَنْ نَصْْرٍ الْبَاهِلِيِّ قَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ الْبَقَرَةَ وَهُوَ جُنُبٌ . أَخْبَرَني مُحَمَّدُ بْنُ سَعيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللهِ ثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْْبَغَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ الخُشَنِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثَنَا غُنْدَرٌ ثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أبي سُلَيْمَانَ قَالَ : سَأْلْتُ سَعيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ الْجُنُبِ يَقْرَأُ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسَاً , وَقَالَ : أَلَيْسَ في جَوْفِهِ الْقُرْءَانُ ؟. وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ وَجَميعِ أَصْحَابِنَا .