بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمْ
الحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ , وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقينَ , وَلا عُدْوَانَ إلاّ عَلَى الظَّالِمِينَ , وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ الأتمَّانِ الأَكْمَلانِ , عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ اللَّذي أَرْسلَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ بَشيرَاً وَنَذيرَاً , وَلِيَضَعَ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّلتي كَانَتْ عَلَيْهِمْ , وَالرِّضى عَنْ أَصْحَابِهِ اللّذين آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النّورَ اللّذي أُنزِلَ مَعَهُ , أُوْلئكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ , وَعَنِ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ , وَنَسْألُ اللهَ تَعَالَى أنْ يُصْحِبَنَا الْعِصْمَةَ مِنْ كُلِّ خَطَإٍ وَزَلَلٍ , وَيُوَفِّقَنا لِلصَّوابِ في كُلِّ قَوْلٍ وعَمَلٍ . آمينَ آمينَ .
أمَّا بَعْدُ : فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ في كِتَابِهِ الْعَزيزِ : [... فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَرَسولِهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ , ذَلِك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً .] سُورَةُ النِّسَاءِ الآيَةُ 59
فإنَّ اللهَ أَمَرَنا أنْ نَرُدَّ كُلَّ مَا تَنَازَعْنَا فيهِ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ إلَى اللهِ , أَيْ : إلَى كِتَابِ اللهِ , وَإلَى رَسُولِهِ , أَيْ : إِلَى سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم , فَإِنَّ فيهِمَا الْفَصْلُ في جَميعِ الْمَسَائِلِ الْخِلافيَّةِ , وَعَلَيْهِمَا بِنَاءُ الدِّينِ , وَلا يَسْتقيمُ الإيمَانُ إلاَّ بِهِمَا , وَلا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُمَا إلى غَيْرِهِمَا , فَالرَّدُّ إلَيْهِمَا شَرْطٌ في الإيمَانِ , لِهَذَا قَالَ : [ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ] فدلَّ ذلكَ عَلَى أنَّ مَنْ لَمْ يَرُدَّ إلَيْهِمَا مَسَائِلَ النِّزَاعِ فَلَيْسَ بِمُؤْمنٍ حَقِيقَةً , بَلْ مُؤْمِنٌ بِالطَّاغُوتِ مُتَّبِعٌ لِهَوِاهُ مُبْتَدِعٌ في دينِ اللهِ .
وَهُنَاكَ مَسَائِلُ كثيرَةٌ طَالَ حَوْلَهَا الْجَدَلُ بَيْنَ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ قَدِيمَاً وَحَدِيثاً مِنْهَا : مَسْألةُ قَِرَاءَةِ الْقُرْءَانِ وَحَمْلِهِ لِلْحَائِضِ وَالجُنُبِ , وَقَدْ سَأَلَني بَعْضُ الإِخْوَةِ الْكِرَامِ وَالأَخَوَاتِ الْفَاضِلاتِ أَنْ أقَدِّمَ لَهُمْ بَحْثَاً حَوْلَ هَذهِ الْمَسْأَلَةِ , وَأَنَاْ لا أُرِيدُ أَنْ أتََوَلَّى بِنَفْسي اسْتِعْرَاضَ أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ بِالْمَنْعِ مُطْلَقَاً أَوِ الْقَائِلِينَ بِالْجَوازِ مُقَيَّداً , وَاسْتِعْرَاضَ أَقْوَالِ العُلَمَاءِ الْقَائِلينَ بِالْجَوَازِ , بَلْ سَأَكْتَفي بِذِكْرِ كَلامِ ثَلاثَةٍ مِنَ الأئِمَّةِ الْعِظَامِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالْحَديثِ , وَاللَّذينَ أجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى إمَامَتِهِمْ , وَهُمْ : الإمَامُ أبُوبَكْرِ بْنُ المُنذِرِ النَّيْسَابُورِيُّ رَحِمَهُ اللهُ , وَالإمَامُ ابْنُ حَزْمٍ الأنْدَلُسِيُّ رَحِمَهُ اللهُ وَشَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْميَّةَ رَحِمَهُ اللهُ , وَسَأَتْرُكُ الأمْرَ لَهُمْ , فإنَّهُمْ قَدْ أفَادُوا وَأجَادُوا وَأفَاضُوا رَحِمَهُمُ اللهُ في بَيَانِ مَذاهِبِ أَهْلِ الْعِلْمِ في هَذهِ الْمَسْألَةِ مِنْ خِلالِ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَيْهِمِ مِنَ النُّصُوصِ الصَّريحَةِ , وَالتَّآويلِ الصَّحيحَةِ لِكِتَابِ اللهِ اللَّتي لاتَحْتَمِلُ الْجَدَلَ وَسَيَتَبَيَّنُ لَكَ أيُّهَا الْقَارِىءُ الْكَريمُ مِنْ خِلالِ ذَلِكَ أنَّ أَقْوَالَ وَآرَاءَ الْقَائِلينَ بِالْمَنْعِ كَمَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللهُ : [ ...فَأَقْوَالٌ فَاسِدَةٌ , لأنَّهَا دَعَاوَى لا يَعَضُدُهَا دَليلٌ لا مِنْ قُرْءَانٍ وَلا مِنْ سُنََّةٍ صَحيحَةٍ وَلا سَقيمَةٍ , وَلا مِنْ إجْمَاعِ ٍ وَلا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ , وَلا مِنْ قِيَاسٍ وَلا مِنْ رَأْيٍ سَديدٍ ...]
جَاءَ في الأوْسَطِ لابْنِ الْمُنذِرِ قولُهُ : وَحدَّثُونَا عَنْ مَحْمُودِ بْنِ آدَمَ , ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى , ثَنَا الْحُسَيْنُ يَعْني ابْنَ وَاقِدٍ , عَنْ يَزيدَ النَّحْوِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ وِرْدَهُ وَهُوَ جُنُبٌ . وَالْوِرْدُ : النَّصِيبُ مِنَ الْقُرْءَانِ , وَكَانَ عِكْرِمَةُ لايَرَى بَأْسَاً لِلْجُنُبِ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْءَانَ , ثُمَّ قالَ رَحِمَهُ اللهُ : وَاحْتَجَّ مَنْ سَهَّلَ لِلْجُنُبِ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْءَانِ بِحَديثِ عَائشَةَ... عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشةَ قالَتْ : {كَانَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ يّذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ } قَالَ أَبُوبَكْرٍ : فَقَالَ بَعْضُهُمْ : الذِّكْرُ قَدْ يَكُونُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْءَانِ وَغَيْرِهِ , فَكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ ذِكْرِ اللهِ فَغَيْرُ جَائِزٍ أنْ يُمْنَعَ مِنْهُ أحَدٌ إِذَا كَانَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ لايَمْتَنِعُ مِنْ ذِكْرِ اللهِ عَلَى كُلِّ أحْيانِهِ . ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللهُ : أعْلَى مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ كَرِهَ أنْ يَمَسَّ المُصْحَفَ غَيْرُ طاهِرٍ , لِقَوْلِهِ تَعَالَى :{لايَمَسُّهُ إلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} , وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالى {لايّمّسُّهُ إلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} الْمَلائِكَةُ , كَذلِكَ قَالَ أَنَسٌ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَأَبُوالْعَاليَةِ وَقَالَ : وَقَوْلُهُ {لايَمَسُّهُ إلاَّ الْمُطَهَّرُُونَ} خَبَرٌ بِضَمِّ السِّينِ , وَلَوْ كَانَ نَهْيَاً لَقَالَ : لايَمَسَّنَّهُ , وَاحْتَجَّ بحَديثِ أَبي هُرَيْرَةَ وحُذَيْفَةَ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ قَالَ : {الْمُؤْمِنُ لايَنجُسْ} .
إِنتَهَى مِنْ كَلامِ ابنِ الْمُنذِرِ .